اعلان

مرحبا بكم في واحة هايكو

الخميس، 27 أكتوبر، 2016

مدونة واحة هايكو

مقال رائع للأستاذة و الشاعرة العراقية د.بشرى البستاني بعنوان الهايكو العراقي و العربي بين البنية و الرؤى



أ.د. بشرى البستاني : الهايكو العراقي والعربي بين البنية والرؤى (1 – 2)
ادب, نقدبشرى البستانيالتعليقات : 0 بتاريخ : 2015/05/17
boshra albostani 4(1)
تعد اللغة من أكثر الأدوات البنائية تداولا في الفنون كونها الأداة التواصلية التي تتصف بالتلازم مع الحياة وبتفاعل معها وديمومة ، مما يجعل الفنون التي تكتب بها أكثر طواعية للتطور والاستجابة لانطلاقات جديدة تؤهلها لصنع منعطفات أدبية كلما ضاق النوع السائد بالتعبير عن توتر الحياة الجديدة ومتطلباتها ، فالبحث عن أنواع فنية متطورة تعبر عن أزمة الإنسان وعن معاناته ومشاعره في صميم الأزمات التي يعيشها أمر مشروع ، بل ومطلوب أصلا . وهو في بحثه عما يخفف الأزمة يدرك أن فنَّ أيِّ شعب من الشعوب ليس ملكا له ، ولا يجب أن يكون قارا بحدود ذلك الشعب ، لأن عظمة الفنون أنها لا تعيش الا في فضاءات الحرية ، وأن الإبداع لا تحده حدود ولا قيود ، وأن سمته التواصل ، فهو ملك الإنسانية كلها ولا سيما حين يكونُ هذا الفن بعيدا عن التعصب والتعقيد .
لقد ظل الهايكو يترجم الى اللغة العربية عبر لغات وسيطة كالانكليزية ، حتى صدر (كتاب الهايكو) الذي ضم الف هايكو وهايكو عن دار التكوين بدمشق عام 2010 ، لمترجمه السوري الشاعر محمد عضيمة عن اللغة اليابانية مباشرة معتمدا مئة مرجع ومستوعبا ما يقرب من خمسة قرون بمقدمة كتبها عضيمة موضحا مسيرة هذا الفن ومراحل تطوره وابرز شعرائه ، وما زاد الكتاب قيمة ، إدراج النص الأصلي بلغته اليابانية مع المترجَم بوجود مؤلف آخر للكتاب هو الياباني كوتا – كاريا.kh mohamad aodaima
لقد كانت شعوب العالم وما تزال تتلقف الهايكو الياباني لأسباب عدة منها البنيوية المغايرة ومنها الرؤيوية ، ولما كان للفنون أهدافٌ ومقاصد انسانية تؤشّر توجهاتها ، فإن أهداف الهايكو كانت جمالية رؤيوية ، وليست أيديولوجية ضيقة ، وأمام الجمال تندحر الايديولوجيا وتنهار حدودها والقيود ، ولهذا كانت حركته حرة في اتجاهات عدة ولعل في اختلافه عن شروط الشعرية المتعارف عليها عربيا وغربيا ما يفسر بعض ذلك أولا ، وثانيا يكاد يجمع نقاد الهايكو – وأشك في ذلك – أنه يتسم بسهولة اشتراطاته البنيوية التي تتلخص في كون شروط كتابته لا تتسم بالعسر والتعقيد ، بل تتكون بنيته من جملة شعرية تتوزع على ثلاثة أسطر ذات تشكيل موجز باقتصاده اللغوي وتحرره من ملحقات التزيين ، لكنها ذات طاقة مكثفة قادرة على إطلاق دلالات عدة يتيحها تعدد القراءات وتباينها ، وقد تقوم لغته على المقابلة والتوازي والمفارقات لدى مقاربتها نقديا ، وعلى اكتنازها لحظة جمالية يشتبك فيها الساكن بالمتحرك وهما يلامسان فاعلية المادة وحيويتها من خلال ملامسة الوعي الانساني لها ، وقدرتها على البث الدلالي حال تشكيل العلامة ، فالعلامة تتكون من عنصرين ، مادي مقروء أو منطوق مسموع ، ومكون ذهني يعمل بتنبيه من الدال على تشكيل العلامة . فالهايكو مشهد يبدو ساكنا ، لكنه يختزن طاقة حركية تكمن شعريتها في هذا اللبس الكامن بين الصمت الظاهر والحركية المضمرة ، بين التعبير المقتصد لغويا والدلالة المطلقة ذهنيا ، يقول جمال مصطفى:
الهلال الذي:
يتلامع في غابة الخيزران
مجرد منجل
فالدال الاول اعتيادي ، منظر طبيعي ، إنه هلال يتلامع في غابة خيزران ، لكن الدال الثاني الذي يصدم حيادية اللقطة الهلالية الاولى (منجل) يخرق لقطة الهلال الاولى ويصدمها ، لكن الصدمة تعمل على تشكيل الدلالة التي قصدها الشاعر في الاشارة الى الزيف الكامن وراء مراوغة الاشياء اللامعة وخطورتها . ومن سماته التي يؤشرها دارسوه استعمال الكلمة بدلالتها الواضحة والتعبير عن الامور الاعتيادية بطرائق حيادية ، لكني لا اتفق مع هذا الرأي اذ لا حيادية في الادب والفنون أبدا ، ولا حيادية في الحياة عموما ، فللإنسان رأي وموقف لكنَّ أسباباً كثيرة قد تقف حاجزا دون الافصاح عنه ، وليس الحياد الا ذريعةً للصمت خوفا وخشية أو تحسبا ، كما أن الكلمة الواضحة في الهايكو لا تستعمل لوضوحها ، بل لأدائها دلالة أبعد من الوضوح ، وهذه سمة أخرى من سماته . إن كلّ زهرة وفراشة في الهايكو ، وكل حبة رمل ، وكل شجرة تمثل صورة مصغرة للحياة التي نعيشها ، وللعالم المعاصر الذي يمور بالوقائع . ولاهتمامه بالطبيعة وإشراقاتها ، بحقولها ورياضها ، أُطلق عليه شعر الربيع أو الشعر الأخضر ، ولذلك رأى بعضهم أنه يقوم على الوصف ، وخالفهم آخرون بأنه يمكن أن يتناول مختلف الموضوعات الشعرية لو توفرت فيها سمات هذا الفن بنيويا ، فضلا عن اشتراط الهايكو الياباني أن يشتمل على سبعة عشر مقطعا صوتيا حسب الألسنية اليابانية ، تتوزع على الأسطر الثلاثة بـ خمسة ، سبعة ، خمسة مقاطع ، وهذا الشرط تجاوزه الهايكو العراقي والعربي عموما مراعاة لخصوصية اللغة العربية واختلاف تشكيل مقاطعها العروضية عن مقاطع اللغة اليابانية . لكنه التزم ببنية الاسطر الثلاثة لترسيخ الشكل الهايكوي ، لما للأشكال من أهمية في الفنون حدّ تأكيد بعضهم أن الفنون أشكال.
أما من حيث الرؤيا ، فإن الهايكو الياباني كما يرى الكثير من نقاده ، يقوم على مرجعية معينة ترتكز على فلسفة الزن البوذية والتي تحثُّ على التأمل والتفكر ، والوقوف عند الأشياء ومفردات الطبيعة والظواهر المادية لجعلها إشارة لدلائل أكبر ، إنها فلسفة الروح والحكمة والسلام التي استقت الكثير من معطياتها من فلسفات الشرق القديمة كالبوذية والكونفوشيوسية والطاوية، ويقرُّ أصحابها أنها ثقافة أرضية ناتجة عن حاجات واجتهادات إنسانية تدعو للمحبة والتسامح واحترام مظاهر الحياة والاشياء واستنطاق قدرتها على تشكيل الانسجام وسط التناقض فالزهر ينمو في صميم الشوك والماء يحتضن اليابسة والبحر يجاور الصحارى ، والرياح الهائمة في الأعالي تحمل البذور التي ستضمها الأرض ، إلى غير ذلك مما تحمل من تعاليم وقيم إنسانية تحثّ على الألفة وتشكيل الانسجام ، وما تدعو إليه من تسامح ومحبة ووعي للذات واحترام الطبيعة التي تحتاج هي الاخرى فن الهايكو ليعيد لها اعتبارها من استغلال ثرواتها وخيرها الوفير في الشر ، ومن تدميرها وإحراق كنوزها وزهورها وشجرها بالصواريخ والمتفجرات والصراع الذي يجري عليها بجنون وعنجهية ، كما تؤكد على ضرورة وعي الذات من خلال تفعيل حركية ذلك الوعي ليكون قادراً على استقبال تلك المبادئ ، وعلى تفكيك النص الهايكوي الذي يتسم بالرغم من بساطته المضللة باللبس والتمنع ، لتعيد تشكيل دلالاته المفتوحة على آفاق عدة بعدد قرائها وأفق توقعاتهم .
(2)
من السمات المهمة للهايكو وللغة اليابانية أصلا أنه يقوم على القطع التركيبي والوصل الدلالي ، وهذا القطع هو ماعرفته السينما اصطلاحياً بفن المونتاج ، ولعل من اعتقد من الباحثين أن الشعر الحديث استعار فن المونتاج من السينما كان واهما ، ، فالقضية معكوسة ؛ لأن الأدب أقدم وجودا في الفن من السينما ، وأكثر رسوخا في التاريخ الانساني وهو الحاضن الاول للشعرية ولفن التصوير ولقطاته والحوار ورسم الشخصيات وغيرها ؛ ولذلك فإن السينما قد استعارت الكثير من الأدب بأنواعه ، قصة ورواية ولغة شعرية ومونتاجا ، لأن المونتاج مرافق للتصوير ، ولا بد للتصوير من قطع ووصل ، وخلال هذا القطع والوصل يتم حذفٌ كثيرٌ واختصار أكثر ، ويحدثُ إيجاز يضمر الايحاء لتكون الجملة الناتجة عن القطع والوصل قادرة على الانفتاح بين يدي المتلقي لمنحه الدلالة المحذوفة واكثر ، يقول سالم الياس:
فراشة بيضاء
تئن
لهب شمعة
فاللقطة الاولى هنا تركز على فراشة بيضاء في حالة أنين ، بينما تلتقط كاميرا الشاعر بعدها لهب شمعة ، ويأتي دور المتلقي لربط فجوة القطع بين اللقطتين كي يشكل الدلالة ذهنيا على مستويين الاول – بعد اجتياز المسافة الجمالية أو مسافة التوتر- أن أنين الفراشة ناتجٌ عن احتراقها بلهب الشمعة ، والثاني ما تفتحه دلالة فعل الفراشة على التلقي من كون البراءة كثيرا ما تنخدع بمظهر جمال يضمر حتفها ، مع الانتباه الى دقة التشكيل في توظيف النكرة والنعت والفعل المضارع المستمر . فمفهوم اللقطة في التصوير يقوم على التقريب بين لغة الفن ولغة العقل ، بين اللغتين التواصلية والشعرية ، وإن وجهة نظر ايزنشتاين المخرج الروسي الذي يؤكد دارسو فنه المبدع افادته من قطع الهايكو في مفهوم اللقطة والصورة الذهنية إذ يؤكد أن ما تعنيه اللقطة الواحدة لن يستمر عندما ترتبط بلقطة اخرى مختلفة المضمون ، وأن الحصيلة الذهنية عند المشاهد ستكون حصيلة التصادم الصوري للقطتين ، وبطبيعة الحال فإن اللقطة الثالثة سيخلقها عقل المشاهد ويصنع حدودها في الزمان والمكان على وفق ما هو مطروح في اللقطتين المعروضتين وبهذا يكون قد خلق معنى لا تحويه الصورة بصفة موضوعية بل ينتج من ارتباطها وعلاقتها مع الصورة الاخرى ..( قراءة أولية في نظرية المخرج السينمائي ايزنشتاين وفلسفته في المونتاج الذهني ، أحمد علي سليمان ،137 ، نت) ولذلك فإن مبدع فن الهايكو وناقده معا يحتاجان إلى وعي مدرك لفن المونتاج ؛ لتتضح طرائق وصل ما انقطع في الهايكو القائم على القطع في بنائه ولغته ، بينما يُعدّ الوصل سمة من سمات اللغة العربية ، ولذلك فإن كتّاب الهايكو في اللغة العربية لم يلتزموا كليا بهذا الشرط حسب متابعتي لنماذج مختلفة من أقطار الوطن العربي ؛ لأن طبع اللغة يحكمهم وهم يكتبون هايكو عربيا إلا بالعمل على إدامة قراءة النموذج المترجم والتمرن على الاشتغال بالمونتاج كما فعل شاعر التفعيلة العربي المعاصر ، وإلا فيما يراه الشاعر العربي جماليا من القطع ويضفي على اللغة العربية بُعداً جديدا ، أو يُطوّر فيها ما كان موجودا من سمات لم تلفت اليها النظر لقلتها أو صعوبة الإمساك بها ، فالقطع موجود في العربية لكنه – بوصفه صيغة – موجود في النحو ، وأكثر ما يكون في أمرين: في النعت والعطف بالواو التي تقطع اشتغال تأثير ما قبلها على ما بعدها ، فضلا عن كونه يحتاج الى إدراك دلالي للسياق جملة وتفصيلا ، بينما الوصل بالغ الوضوح ، وله أدوات عطف وصيغ وإحالات كثيرة تعمل على تماسك النص واتساقه ، مما يعني أن القطع في كتابة الهايكو العربي قد يعيد توظيف هذه الصيغة والتواصل مع سمة لها أهميتها في تحريك الاسلوب وتنشيطه وتلوينه ، وفي تشكيل الدلالة ، وهي سمة لها حضورها في الأسلوب القرآني وفي الشعر العربي القديم.
(3)
إن الهايكو لحظة جمالية لا زمنية في قصيدة مصغرة موجزة ومكثفة تحفز المخيلة على البحث عن دلالاتها ، وتعبر عن المألوف بشكل غير مألوف عبر التقاط مشهد حسي طبيعي او إنساني ينطلق عن حدس ورؤيا مفتوحة تتسع لمخاطبة الإنسان في كل مكان ، من خلال ومضة تأملية صوفية هاربة من عالم مادي ثقيل محدود ضاق بأهله حتى تركهم باقتتال ومعاناة ، بسبب هيمنة حضارة مادية استغلت الإنسان وداست على كرامة روحه وحرمته الأمن والسلام ، مما جذب انتباه الشباب الواعي ولفت المبدعين الى أهمية البحث عن السلام الداخلي المفقود ، من خلال الاقتراب من الروح وجوس عوالمها بحثاً عن صفاء فضاءاتها وسمو هدوئها وتجلياتها بعيدا عن توحش العصر وتغوّل احتكاراته وجشعه اللامتناهي في التعامل مع رغبات النفس وشهوات الجسد ، وذلك باعتناق المحبة والإيثار وملامسة الرقي في التجليات الإنسانية البعيدة عن زيف الحياة ، ومغادرة التمركز على الذات والنرجسية المفارقة لروح التواصل ، تلك هي مرجعيات الهايكو الياباني التي يحيلها الكثير من المفكرين والنقاد على منطلقات فلسفة الزن كما يصفها المعجم العالمي ، وكما شرحها مؤلف كتاب ( فلسفة الزن ، رحلة في عالم الحكمة) لمؤلفه جان لوك تولا-بريس ، لكن الشاعر العراقي والعربي لا يحتاج لمرجعيات الهايكو الياباني ولا فلسفاته لانه يمتلك من التعاليم الروحية في أدياننا وفي تراثنا ، ولدى الكثير من فرسان العرب ونبلائهم ما يفوقها ، لكنا بحاجة لمن يقترب منها ويمارسها اليوم عمليا ، فانقلاب الزمن ومفارقة القيم وويلات الهجمات الشرسة التي مرت على أوطاننا ، والتقدم التقني والمعلوماتي الغربي الهائل الذي شهده العصر الراهن وما جلب معه من بشاعة القطيعة الإنسانية والانصراف للآلة ، كل ذلك أبعد الإنسان العربي عن روح الأديان وصفاء القيم وهدوء السلام وأصالة الروح ، وأبعده عن الحدس الذي يحتاج شفافية ولحظة نقاء . وصار الرجوع للأصل اليوم ضرورة لا بد منها لتعديل مسار الإنسانية وإنارة طرق التواصل الحميم مع حياة تغادر الحقد والكراهية واسترخاص دم الإنسان والعمل على إقصائه وهدم حياته وإلغاء قيمه وسمات نبله.
إن الذين ينتقدون الشباب العربي على اهتمامهم الراهن بفن الهايكو عربيا، وليس يابانيا ، ينظرون للقضية على أنها مجرد لعب ، على أهمية اللعب الفني الذي يمتلك قوانين اللعبة ويحافظ عليها من الانفراط ، لكن المتدبر للأمر يجدها أبعد من ذلك وأهم ، إنها ليست عملية ممهدة ولا يسيرة ، بل هي طريق محاط بالمكابدة والمعاناة من أجل خلاص الروح والعقل والجسد ، لأتها ليست مسألة تغيير بنية أو تجديد شكل كما يتصور بعضهم ، بل هي تغيير رؤيا أولا ، وبدون هذا التغيير لن يكون لتغيير البنية كثيرُ أهمية . إن تطور الأشكال عبر تاريخ الفنون لم ولن يكون حقيقيا إلا إذا كان نتيجةً لتطور الرؤيا ، والمطلوب من هذا التغيير أن يطال أمورا كثيرة بالغة الخطورة ، كون الإنسان بأمس الحاجة إليها ، لأنها من المحتمل أن تكون تحفيزاً على فعلٍ جذري فشلت الميادين الأخرى في ريادته ، فعلٍ يغير بنية فكرية تقليدية أودت بالحياة العربية وحوَّلت شوارعها إلى ساحات دموية ، تحجرٌ في الفكر وطرائقُ سلوكيات ضيقة وردود فعل مغلقة ، وأدلجة لا تبصر غير مصالحها ومواطئ أقدامها ، وثقافة ذات بعد واحد عاجزة عن الانفتاح وعن الوثوب في النور والتجول في حدائق الآخرين ..نحن نجرب كما يفعل زملاؤنا في أقطار عربية أخرى من المغرب والجزائر حتى العراق عبر سوريا وفلسطين ..نجرب ألا نكتب بطرائق جديدة حسب ، بل برؤى جديدة ، وبلغة جديدة تغادر الأحادية وتتخفف من تراكم المجازات والظواهر البلاغية والخطب الاعلامية التي أرهقنا بها إعلاميو السلطات ، مستعيضة عن ذلك بالاقتراب من الأصل بطرائق أكثر شفافية وبشعرية جديدة ، حتى لو كانت التجربة في البدايات مربكة ، وحتى لو نجحت مقاطع ولم تنجح أخرى ، فقصيدة الكوليرا لم تكن تلك القصيدة الباذخة ، لكنها كانت البداية لانعطافة غذت وأغنت نصف قرن كامل بتجارب مهمة وشعراء ذوي تجارب خلاقة مستوعبةً إشارات الوقائع والأحداث التي كانت ذات خطر بالغ الأثر على حياة الأمة ، قبل أن تهيمن قصيدة النثر التي أدى الإهمال النقدي في متابعتها والإشارة إلى الإخفاقات التي اكتنفتها ، إلى ترهلها وخفوت ضوئها سريعا.
لقد وصلنا في الحياة العربية عموماً إلى مرحلة يتفق فيها المخلصون على أن العملية التعليمية لم تعد ذات جدوى ، لأنها تحولت إلى مؤسسات تلقينية لا تعلِّم طرائق التفكير ولا تحث عليه ، إنها مؤسسات لا غاية لها سوى منح شهادات ورقية ، وصارت الجامعات تعمل بالطريقة ذاتها ، دون مناهج ولا تخطيط بدليل أنها تُخرِّج الآلاف وربما الملايين في الوطن العربي لكنهم لا يذهبون للعمل في ميادين تخصصاتهم ، بل يذهبون للشوارع وإلى مشاكل البطالة ، فصارت الجامعة لدينا مؤسسةً لتصدير المشاكل ، وكانت وظيفتها الستراتيجية التي اندثرت هي حل الإشكاليات وتوظيف الطاقات الشابة والتخطيط لبناء مستقبل ذي ركائز قوية قادرة على تأمين غد أفضل لشعبها وأمتها. ينتج عن كل ذلك غيابُ فلسفة تنهض استجابة لظروفنا كي تلبي حاجاتنا الملحة ،ولتعمل على تأسيس نظرية عربية تحمل سمات خصوصياتنا ، وتحثّ بمثابرة على رسم مناهج تطبيقية ، تخطط لمعالجة متطلبات إشكالياتنا المعضلة ، وترسم لنا طرائق تفكير جديدة ، تتأنى وتتأمل بعمق وتنظر إلى البعيد. وكان لا بد للإعلام العربي أن يكون ناتج ذلك التعليم العقيم والواقع المجدب ، فلا نجد في المؤسسات المذكورة أعلاه إشاعة ثقافة السؤال ولا بثّ أهمية ثقافة الاختلاف والتقبل والحوار ، ولا الدعوة المتكررة للتفكر والتأمل الذي حث عليه القرآن الكريم ولا القبول بالرأي الآخر ، ولا نحن ندرُسُ ولا ندرِّسُ علم الجمال من الصغر ، ولا نُدرجُ درس الفلسفة والحكمة في مناهجنا التعليمية عبر المراحل الدراسية كلها ، كل ذلك صاحبه عدوانات هائلة على بلداننا من قوى استعمارية ذات أهداف وأطماع في خيرات أوطاننا عطلت المسيرة وأودت بالمنجز منها ، مما أدى الى انكفاء وإحباط ورتابة شاملة في التفكير وإلى توترات مرضية في السلوكيات وصراعات دموية عنيفة ومرعبة في الداخل ، أنتجت أدبا مربكا من جهة ، وإبداعاً طافحا بالعذاب والاغترابات من جهة ثانية ونقدا شديد الاضطراب من جهة أخرى .
لقد بذل شعر التفعيلة الجيد جهداً لا ينكر في العمل على تحويل النص الإبداعي العربي ونقده من مرحلة التفسير الى مرحلة التأويل ، تلك المرحلة التي استغرقت طويلا في تراثنا الشعري والنقدي ولا سيما فيما أُنتج من مضامين تقليدية انتزعت من طاقة الشعر العربي الكثير كالمديح الذي ظل ساعيا وراء الحكام مضحيا بقدراته الشعرية وابتكاراته الابداعية ؛ لأسباب عدة طُرِحت في مواضعها ، لكنّ الاستثناءات التي سجلها شعراء ذوو مواهب راقية ونقاد اهتموا بتلك المواهب تبقى حاضرة في الذهن ، وكذلك فعلت النماذج الجيدة من قصيدة النثر ، لكن ذلك لم يمنع التراكم الذي التبس بخلط كبير بين الجيد النادر والكثير من التراكم اللفظي ، وتغطيته كميا على النوعي ، أما أن تكون جوهر التشكيلة الرؤيوية للهايكو قائمة على جهد شعري جديد ، فذلك هو الأمر المهم ، إذ لم يعد الخلط هنا متاحا في نظر النقد الجاد ، فإما هايكو عربي ذو حركية جمالية قيمية جديدة ، وإما المغادرة خارج النموذج ، هايكو قائم على ومضة سريعة أو على مشهد قادر على احتواء متناقضات تمثل الحياة برمتها هما السكون الذي تموج في داخله حركية تعمل على إطلاق الرؤيا والانفتاح الدلالي الذي يثير دهشة ما ، ويحفز الفكر لتشكيل الدلالات المتاحة بمؤازرة التأويل ، مع أهمية الالتزام بعلوم اللغة من نحو وصرف وتلاؤم صوتي وضبط أسلوبي وإيقاعات منسجمة بعيدا عن التراكمات البلاغية ، ويكون الشاعر مدعواً إلى ملاحظة ضرورة التوازن في التشكيل بين المتطلبات والابداع والخصائص ، بما يجعل الهايكو عربيا حقا في تشكيله ورؤيته معا وفي معاناة أهله ، محافظا على ترسيمته الأصلية في أول نشوئه ، وعلى سماته الجمالية ، وملاحظة التوازن بين تقنيتي الفن وجمالية التلقي ، عارفا أن النص الإبداعي الحقيقي يقاوم تقاليد نوعه مثلما يقاوم النمطية وتسلط النموذج القار ، على أن الدعوة لهذا الفن لا تعني كونه بديلا لأشكال الشعر العربي أو إنكاراً لأهميتها ، بل هو إثراء للشعرية العربية وتنويع على أشكالها ومنظوماتها التعبيرية .
إن انسحاب جماليات الهايكو من الخاص ذاتا ومذهبا وطائفة الى العام أرضا كونية ووطنا وشعبا ومجتمعا وانسانية ، ومن المحدود إلى الشمولي ، هو تخليص للإنسان من وحشة الذات وانغلاقها بالعمل على جرّها – بفن- إلى رحابة الجماعي وجماليات الكوني انطلاقا من حقيقة ملخصها أن الحياة بأصالتها لا يمكن أن تتجلى إلا خارج الذات حيث يتألق الفعل الجماعي بحركية الانساني وفاعليته أولا ، وأن الجمال الحقيقي لا يتبدى رائعا إلا خارج السياق ثانيا ، ولذلك فنحن نبحث عن الغائب في الحاضر ، وعن المفقود في الموجود خارج النص لكن بإشارة لماحة منه . ولعل هذه الأسطر الأخيرة تلخص محنتنا في الثقافة والفنون ، فغياب دور الثقافي والفني والجمالي في الحياة ، وانفراد السياسي بها هو الذي أدى بضيق النظر الأناني الشرير وغياب صفاء الروح إلى تنمية الكوارث والانقسامات والتمزق النسيجي لشعبنا الواحد ولمجتمعنا الذي يدفع من دمه وحياة أبنائه ثمنا لمصالح الجهلة وأنانيتهم

الهايكو العربي بين البنية والرؤى ، 2 – 2

بشرى البستاني
2015 / 6 / 10

أ.د. بشرى البستاني
**
الهايكو قصيدة مكثفة مكتفية بذاتها وإن كانت بثلاثة أسطر، وليست مقطعا في قصيدة طويلة تتكون من مقاطع عدة ، ولذا فهي لا تحتاج لغيرها كي يكتمل معناها ومن أجل ذلك ، لجأ بعض شعراء الهايكو الى وضع عنوان لكل هايكو كما وجدنا في مجموعة الأسعد "تهمس البوكنفيليا مثقلة بأزهارها الحمراء" تأكيدا لاستقلاليتها . إن المهتمين بفن الهايكو يُجمعون على أن بناءه يقوم عضوياً على ثلاثة أسطر ، وأن التشكيل فيه يتنوع بحسب قدرة كاتبه وثراء أدواته بعيداً عن التجريد والتشبيه والأفكار المباشرة ، ويُعدُّ هذا التشكيل سمة الهايكو الأساسية في تجسيد العواطف والأفكار كما يؤكد رائد الهايكو العربي الشاعر محمد الأسعد أول الشعراء العرب الذين ترجموه وكتبوه بتمكن ووعي بطبيعته وظروف نشأته ومرجعياته وسمات فنه ، مواصلاً انّ هذا الفن في تكثيفه اللغوي يتجنب كل ما يقف حائلا بين الشاعر وموضوعه من تشبيه ومجاز وتجسيد وتشخيص انطلاقا من ضرورة الوصول للحظة ادراك قصوى حيث لا شيء يشبه شيئا ، فاعتباطية العلاقة بين ركني العلامة حسب سوسير كرست الالتباس والمابين . ولكونه يصور الأشياء في طبيعتها الحركية ضمن اعتراكها الحيوي وفاعليتها العارمة إذ تتجلى لحظة الاستنارة التي غادرت التمزق وانقسام الوجود الى ذات وموضوع الى لحظة اكتشاف الكيننونة العميقة في الكون. كما يشير لأهمية الانتباه لسمة الانسجامات اللغوية التي تنسج خيوط ثلاثة أسطر بجمالية جرس الالفاظ والحركات الاعرابية والميزان الصرفي لما لها من دلالات شعورية في اللغة العربية ، فضلا عن السمة البصرية التي يسميها الاسعد "لغة الحضور" وصولا الى لحظة الاستنارة. (محمد الأسعد ، مقدمة مجموعة "تهمس البوكنفيليا.... 97-99" ، ضمن الأعمال الشعرية) كل ذلك يمنح الإنسان ما يحتاجه من صفاء ونشاط ذهني ومن إثارة وفرح بلذة الكشف ، ومن قدرة على التعلم من مرونة الطبيعة ورحابتها لنقل هذه المرونة الى التعامل الإنساني بعيدا عن التسلط والتعسف والوقوف عند الرأي الواحد والاستبداد بصنع قرار أحادي ، وذلك بسبب ما تتيحه قراءته من تعددية وانفتاح .

ولدى تأملنا هذه التجربة نجد أن في الشعر الاعتيادي مجالاً لتمارسَ اللغة وظيفتها التواصلية بين آنٍ وآخر كي تمنح مجالا للوظيفة الشعرية أن تكشف عن جمالياتها ، وطولُ القصيدة يسمح بهذا التراتب ، أما في الهايكو فليس ثمة حيزٌ لفعلٍ غير شعري لشدة الإيجاز اللغوي واقتصاده ، وذلك يوجب على الشاعر الاختيار الدقيق لكل مفردة ، وكل حرف والانتباه لمحوري الاختيار والتأليف معا انتباها بالغ الدقة ليكون المشهد المكثف التقاطة سريعة مكتنزة بفتنة البساطة ، ومؤدية لمقاصدها وقادرة على السمو باللغة العربية الثرية وذات العمق التاريخي والحس الفني إلى مستويات أكثر خصبا بعد أن أهلها القرآن الكريم لذلك . لقد تمكنت سمات فن الهايكو الياباني لرحابتها من عبور الشعر إلى فنون ومظاهر حضارية أخرى كما يشرح نقاده ، واستطاعت أن تتجاوز حدود بيئتها ومنشأ وجودها في اليابان إلى آداب الدول المختلفة في بلدان الشرق الأقصى وآداب الغرب ، فحضرت في بلاد الهند والصين وروسيا وأوربا وأمريكا ،بسبب قدرة هذا الفن على مخاطبة روح الانسان أينما كان ، وكون لعبته الفنية تشتغل بمفردات الطبيعة التي تعد أم البشرية المشتركة ، فضلا عن قدرته على التكيف مع متغيرات الزمن وتباين الحضارات ، ولهذه السمات التي ميزته من حيث دقة التشكيل التي تراوغ القارئ ببساطة تخفي طاقة كبيرة على بث الدلالة ، ولما يحمل من دعوة لخلاص إنساني عام يمكنه من تحقيق سلام الروح وطمأنينة النفس وتوفير الشعور بالأمن الداخلي . ولعل غنى اللغة العربية ومرونتها ورهافتها وثراءها ، أتاح وسيتيح لكتاب الهايكو العرب والمجربين اكتشاف نجاح مهم في تحقيق جماليات جديدة في شعريتنا العربية ، لا سيما وأن الهايكو العربي سيطوع النموذج للتعبير عما تموج به حياتنا العربية من معاناة ومكابدة ومحن وفقدان وتراث معرفي ، وعما يعتلج في النفس من أسئلة محنة وجودية ومشاعر اغتراب سببتها مادية الحضارة المعاصرة وعدوانيتها ، كما سيعبر عن لحظات فرح يتيحها هذا التوجه لفضاء الطبيعة الجمالي وما يمنحه للانسان من صفاء ولحظات عذوبة نقية ، لكن بأسلوب جديد ، مما سيؤدي إلى توسيع أفق هذا الفن الذي بدأ بالحوار مع الطبيعة وزهرها وشجرها ومائها وفراشاتها وحيواناتها ، لكن كل ذلك لا يطرح مباشرة بل عن طريق التكثيف والمفارقة والايجاز الذي يبث مقاصده بوساطة الإيحاء الذي يُعدُّ روح الشعرية وسمتها المهمة . ولعل النماذج المطروحة من نصوص الهايكو العربي تتيح للدارسين فرصة الكشف عن طرائق بنى الهايكو في دراسات تطبيقية تأخرت كثيرا في العمل على فحص هذه التجربة والكشف عن خصوصيتها في الثقافة العربية ، لما في ذلك من أهمية في إضاءة التنوع والتلوين في التشكيل الهايكوي العربي ما بين الحركية والتوازن ، ما بين حضور الأسس وتنوع التشكيل ، ما بين قطع ووصل وتقديم وتأخير ، وبين طرائق تشكيل المطلع والانتهاء بالقفل ، فضلا عن الدور الذي يلعبه اختيار المفردة وإيقاعها في السياق ، ومدى تفاعلها مع كلية النص في بناء هذا الفن .

**
إن ماكس جاكوب يعطي في المقدمة التي كتبها لمجموعة قصائده النثرية ، أهمية خاصّة للبناء الشكلي ، فالقصيدة في نظره مادّة مبنيّة قبل كلّ شيء والمعوَّل عليه في بناء شعريّتها مقوّمان اثنان أطلقَ عليهما مصطلحي الأسلوب والوضع ، ومقصده بالأسلوب يتّصل بإرادة الخلق أي بالوعي الفنّي المنظم الذي لا يقتصر على لغة الشاعر وإنما يشمل كل ما يحقّق وحدة العمل الفنّي في جوهره المتماسك والمفصح عن بنية مغلقة صارمة لشدة إيجازها لغويا وانفتاحها دلاليا ، وهنا يكمن سر شعريتها . وأمّا الوضع فيتعلّق بما يثيره العمل من انفعال جمالي في المتلقّي، فالإرادة الواعية هي التي تجهد في العمل على خلق نصٍّ ينبغي أن يكون كلاّ عضويّا مستقلاّ ، تشتغل في بنائه حيوية الفكر وفاعلية التنظيم ، من خلال رؤية واضحة للوجود وموقف من العالم وأحداثه ووقائعه ، فالوعي الفني اليقظ والإرادة القاصدة لكتابة هايكو يعبر عنا وعن حياتنا هو ما يحتاجه فن الهايكو العربي ؛ فبالوعي يكون قادرا على الاقتصاد غير المخل باللغة ، والبث العارم بالدلالة ما استطاع لذلك سبيلا ، من خلال بنية تتواشج فيها شبكة العلاقات بانسجام ما بين مستوياتها التركيبية والإيقاعية والدلالية بأبعادها التشكيلية. لقد عرفت الشعرية العربية الحديثة أنماطا كثيرة من الانبثاقات الجمالية التي تقترب من فن الهايكو في ومضاتها وضرباتها ومفارقاتها ورباعياتها ، لكنها تختلف في الرؤية وفي البنى والتشكيل كما مر سابقا.

**
إن مقطع الهايكو كثيرا ما يرد بثراء بصري حاذق ، فهو لقطة بصرية ، وهذه السمة البصرية بتشكيلاتها اللونية ووضوحها الحسي الصوري واللمسي والسمعي تمنح الشعرية جمالاً وتناغماً ومزيدا من القدرة على الكشف . فالطبيعة بكل خضرتها وتضاريسها وتفاصيل مكوناتها ليست هامشا في الهايكو ، ولا ظرفاً مكانياً معزولاً عن حركية الإنسان والمخلوقات الأخرى ، بل هي جزء حميم من الكل الكوني المتواشج والمتكامل بحميمية مَرة وبانتهاكات ونكاية أخرى ، وكونيته تحمل في فنيتها دعوة مهمة إلى تنمية حضارة الصمت ومغادرة التوتر الذي أشاعته ضوضاء حضارة مادية ذات إيقاعات صارخة في فنونها وتقنياتها ، حضارة ابتكرت للإنسان تقنيات هائلة من وسائل الراحة ، لكنها أرهقت روحه بانشغالاتها المادية وضوضائها ، وأشاعت في حياته الارباك والصخب والفوضى ، ووصفت الفوضى بكونها خلاقة خِداعا للشعوب وتضليلا بكون هذه الفوضى ستنتج الديمقراطية والتحضر ، ويأتي فن الهايكو في هذه المرحلة من حياة الثقافة العربية المربكة رد احتجاج على كل ذلك الصخب ، بهدوئه ودعوته للتأمل والحث على الصمت الحضاري.

إن الهايكو لعب فني جديد في أدبنا العربي ، لعب لم يسبق له أن وجد بهذا الحضور والانتشار بين شعراء العرب من الشباب ، وإذا كانت اللعبة الشعرية تكمن في عدم الذهاب الى المعنى المقصود مباشرة ، بل بطرق مُلبسة لاستقبال القارئ الجمالي ، فإن اللعب كما يؤكد هانز جورج جادامير شيء أكبر من وعي اللاّعب ، ولذا فهو أكبر من كونه فعلا ذاتيا، واللّغة شيء أكبر من وعي المتكلّم ، ولذا فهي أكبر من كونها فعلا ذاتيا ، وهذا ما قد يُوصَف بأنه تجربة للذات إلى جانب تجارب عدة . نعم ، اللعب الفني أكبر من وعي اللاعب ؛ لأنه وعي مرحلة وأزمات ووقائع ومكابدة تتكثف في وعي الفنان / الشاعر لتصل به الى لحظة الاندماج فالكشف ، وما يكتنف كل مرحلة من متطلبات ، وبديهيٌّ أنّ لكل مرحلة لعبتها الإبداعية الجديدة ، ويكون للعبة المتقنة تألقها ، فاللعبة الفنينة تسقط كليا إن لم تتقن قوانين توازنها ، وهكذا يكون الشعر مشعا حين تكون الشعرية كامنة في بنية النص، تضمر جمالياته الخاصة عبر المكون البنيوي وليس عبر الجماليات عالية الصوت من مجازات وأوزان وقوافٍ ، وهي في كثافتها تطلق إشارات وفي إيحاءاتها دلالات وفي تقلباتها ومفارقاتها إحالات ، فتكون شعرا مرتين ، مرة بما تكون ، وثانية بما تعني كما يؤكد ابن رشيق.

**

إن المطلوب من العملية النقدية التي أصيبت بخمول كبير في الثقافة العربية لأسباب ليس هنا مجال طرحها ، أن تحيط الهايكو العربي برعاية خاصة كما يفعل اليوم تجمع الشعراء في موقع المثقف من أجل تطويره وتكريس سماته العربية ، فالناقد الحقيقي مبدع لا يغادر التجريب هو الآخر مع كل نص جديد يقاربه ، ومع كل نص إبداعي يثابر الناقد الجاد في تطوير أدواته النقدية ويُثريها ، الناقد المبدع يوسّع أفق التجارب الإبداعية وينير لها طرائق رؤى جديدة من خلال الكشف وإثارة الأسئلة وحوارية الوعي . الهايكو العربي بحاجة لمتابعة النقد كي يُرسي ركائز لهايكو يحافظ على قواعده الأساسية ويحمل سمات عربية إنسانية أصيلة في التعبير عن المحنة ومكابداتها ، وعن جماليات الحلم العراقي والعربي وأصالة حضارته التاريخية ، وعن بهاء دجلته وفراته ونخيله ، وعن خضرته وجباله وزنابقه وغاباته وحدائقه المعلقة على الأمل ، وعن إنسانه الكادح الصابر الذي ظل يحلم بالأمن والسلام ، وهذا كله ليس لذاته ، بل من أجل أن يحيا الإنسان آمنا ومسالما ومعلياً قيم الحب والتسامح والالفة في وطنه وفي كلّ أرجاء العالم . إن النقد عين راصدة بحرص من أجل ألا يفقد الهايكو خصائصه المهمة على أيدي المستسهلين وغير الموهوبين من محبي الشهرة ، إن تواصُلَ متابعة الزملاء الرواد من مبدعي العراق على موقع المثقف والناقد والحوار والنور والفكر والمواقع الأخرى ، قضيةٌ مهمة تنم عن إخلاص للإبداع العراقي واهتمام بثقافته الرائدة في هذا التجمع الإبداعي المثابر سواء على مستوى كتابة الهايكو أو النقد أو الترجمة عن لغات عدة . إن ما يؤكد عليه الزملاء كتاب الهايكو العربي ، وما يستحسن تكراره مراراً أن الهايكو الذي نكتبه ونهتم به هو هايكو عربي وليس يابانيا ، هايكو يعمل بمثابرة على ترسيخ روحه واشتراطاته النظرية من خلال النصوص التي يكتبها الشاعر العربي عبر أقطار الوطن كلها. لقد عمل المبدع في هذه الأقطار من خلال النصوص المنشورة ، ولا سيما على أيدي الشعراء المبدعين أصلا على تطويع هذا الفن لظروفه ومعاناته ومشاعره ، ومتطلبات لغته العربية مفيدا من كل الجماليات التي تتيحها ، فالفن الأصيل يقاوم النمطية والنموذج وينزع للتحول والتطور والانفتاح والعبور..

**

ولا تفوتني الاشارة هنا وأنا أتأمل فقرات مسبحة الهايكو المهمة تعليميا (مسبحة الهايكو/ جمال مصطفى / المثقف 11-5-2015) ، إلى أن الشاعر الموهوب يحتاج أول ما يحتاج إلى القراءة المتأنية ، قراءة النماذج الجيدة عربية ومترجمة ، ويحتاج الاستيعاب والفحص والكشف والموازنة ليثري مقدرته على قول الجديد والجميل ، على أهمية إدراج التقنيات والتعليمات بوصفها خبرات لمبدعين يمكن الافادة منها في عملية البناء ويمكن محاورتها ومخالفتها أو رفضها ، وقد أكد الزميل مصطفى ذلك في نهاية فقرات المسبحة قائلا "أن كل ما جاء في تلك المسبحة صحيح وضروري بشكل عام ولكن الشاعر المبدع قد يتجاوز كل ذلك ويبدع متناقضا معها كأحكام عامة ، لكن ليس قبل ان يستوعبها تماما ، بمعنى لا يمكن تجاوزها إبداعيا دون استيعابها ، وهذا لن يكون إلاّ بعـد مراس طويل وعبقرية شعرية ليست في متناولنا الآن"

**
أما فقرات هذه المسبحة ، فإن الشاعرجمال مصطفى يخبرنا أنه سيورد منها ثلاثا وثلاثين خرزة يحتاجها شاعر الهايكو العربي عبر نقاط كتبتْ ما يُشبهها في موقعها سيدة الهايكو العالمي المعاصر، الشاعرة جين رايتشهولد وفي نقاطها تركيز على ما يخص الهايكو بالأنجليزية ، وأنه أخذ منها بعض النقاط العامة وأجتهد في ما يخص الشاعر والقارىء العربيين بتبسيط مقصود متناولا سمات وخصائص الكتابة الجيدة للهايكو ، وسنورد معظمها في هذه الملاحظات :
- يتنفس الهايكو حيا ً بثلاثة اسطر على أن يكون ذا رأس ومتن وخاتمة، وأي خلل يُصيب هذه البنية ينعكس اعتلالاً في صحة الهايكو وكذلك يُربك القارىء ويشوش عليه الـتـلقي. وحين يُكتب الهايكو بسطرين أو أربعة أسطر أو اكثر ، فإن في ذلك خروجاً على القاعدة ، أي على ما يجعل الفن ممتعـاً ، لكن ذلك لم يمنع شعراء رواد ومبدعين من التلاعب بعدد الاسطر ، محافظين على روح الهايكو الأصلي.

- أن يكون السطر الأول لافـتـاً للنظر وليس طويلا.

- من الأجمل أن تتأخرالكلمة التي يومض بَعْـدَها ضوءُ الهايكو في مخيلة القارىء الى نهاية السطر الثالث إذ يكتمل الهايكو بها ، ولا فائدة بأي كلمة تجئ بعدها لأنها ستظل زائدة .

- السطر الثاني هو السطر المخصص للحشوة أو الجملة التقريرية أو شبه الجملة وهي عادةً تفصل ما فوقها عـما تحتها ظاهرياً وتربطهما شعـرياً في العمق ، وهذه السمة لا أظنها دائمة في الهايكو العربي لأن تشكيله ولا شك سيختلف قليلا أو كثيرا عن الأجنبي.

- ضرورة تَجنّب اللغة َ المجازيةَ والتشبيهات والزخارف الشعرية ولا سيما المتعمدة ، فالزورق في الهايكو زورق حقيقي وليس (زورق الضوء) والزهرة زهرة حقيقية وليست زهرة الأمل وقِـسْ على ذلك. لكن ذلك لا يحجب الطاقة الدلالية الكامنة في تشكيل الهايكو.

- كتابة ما يكسر توقع المتلقي ، واللعب على المألوف ، وهذا لا يعني الـقفز نحو الغـرائبيات بل الحث على اقتناص موضوع الهايكو من زاوية غير متوقعة.

- أن يكون الهايكو سهلاً وبسيطا ً مِن الخارج ومنطـويا ً على معـنى عـميق تحت السطح.

- شاعر الهايكو يجعل من المهمش والمهمل والاعتيادي شيئاً جميلا ً ، وذا قيمة معنوية لا يلاحظها الناس عادة ً في زحمة انشغـالهم بالواقع أو من فرط تشبعهم بما هو رتيب.

- اللعب بالكلمات وعلى الكلمات إذا كان ذلك يجعـل من الهايكو جميلا وذكيا ، ولا سيما أن اللعب باللغة سمة مهمة من سمات اللغة الشعرية.

- من سمات الهايكو الجيد ، كتابة الغرائبي بطريقة مألوفة والكتابة عن المألوف بطريقة غرائبية.

- عدم الانصراف للحديث عن الذات ، وهذا لا يعني الامتناع عن ذكر ما يخص الشاعر ولكن الهايكو لا يركز على فعل المتكلم كما تصنع القصيدة.

- من سمات الهايكو التلاعب بترتيب السطور بحيث يخلـق الشاعر بذلك التلاعب غـموضا ً محبّباً .

- يمكن الافادة من الايقاع البصري لطباعة الهايكو حروفاً وعلاماتِ ترقيم ، بما يعبر عن جمالية ودلالات معا.

- كل شيء موجود من حولنا يصلح أن يكون مشروعَ هايكو.

- رُبَّ صياغة بارعة جَعـلتْ من فكرة عادية هايكو جميلا والعكس صحيح ، فهناك مشاهد والتقاطات جميلة ، ولكن الشاعر يبددها إذا لم يستطع صياغتها بشكل جيد.

- عدم الاكثار من الأفعال في الهايكو ، لأن الأفعال الكثيرة تشتت التركيز على النقطة الرئيسة التي يراد إبرازها من جهة ، وقصر الهايكو لا يحتمل كثرة الافعال من جهة ثانية ، ولا يفضل اختتام الهايكو بفعـل على الاغلب.

- الهايكو قصيدة من ذوات الفلقتين وهذا يتطلب أن يكون هناك كسر في جريان السياق يحسه القارىْ حين يقرأ الهايكو ، بمعنى أن ينكسر التسلسل المنطقي والطبيعي لسياق التشكيل ، وكأنّ هناك (فجوة ـــ مسافة توتر) بين طرفين في كل هايكو.

- استخدام الفعل المضارع أو ما يشير الى الزمن الحاضر أو الديمومة فالمضارع يوحي بطراوة التجربة وأهميتها ، حتى كأن القارئ يعيش تجربة الهايكو الآن.

- من المهم التخلص مِن تراكم بعض الحروف الرابطة أمثال :( أو، أم، ثم، كما ..) وغيرها مما لا يتحمله جسد الهايكو الصغير وتجنب تكرار الكلمات ما أمكن ؛ فالهايكو يكتفي بالتلميح والأشارة.

- النكرة أقدر على التعبير في الهايكو لقدرتها على التعميم ، وكذلك تجنب الاكثار من ظروف الزمان والمكان.

- الابتعاد عن الشعرية الجاهزة والـمستهلكة من فرط التداول.

- من الممكن توظيف الوزن الشعري (على طريقة شعر التفعيلة مثلا) لصياغة هايكو بمواصفات معينة تخدم مضمون ذلك الهايكو ، وحتى الشعر العمودي بشرط توزيع كلماته على ثلاثة أسطر وهذا راجع الى مهارات الشاعر وقدرته على الأقناع شعريا ً، وأضيف لملاحظة الزميل جمال مصطفى أن بعضهم كتب قصائد عمودية تعتمد وحدة البيت ، لكن الفاحص يجدها لا تمت للهايكو بأية صلة.

- يستطيع شاعر الهايكو توظيف مفردة عامية داخل سياق الهايكو أو كلمة أجنبية، كل شيء جائز إذا كانت تستوجبه خصوصية هايكو بعينه وهذا ليس غريبا على الشعر في كل مراحله ، وكذلك المزج بين سطرين من لغة وسطر من لغة اخرى وارد ايضا شرط ألّا يعـيق ذلك وصول المقصود من المزج الى القارىء.

- الهايكو قصيدة كاملة لا تحتاج الى سرب معها حتى تكون قصيدة بل ان عبقريتها وجدارتها بوصفها قصيدة تتجسد في كونها زهرة تعادل حديقة.

**

ومثل ذلك ما قدمه الزميل نفسه في مقال بعنوان (تقنيات الهايكو الشائعة / جمال مصطفى / 3-5-2015) على صحيفة المثقف الألكترونية ، والتي استقاها من مهتمين بالهايكو الامريكي مستخلصة من نماذج يابانية وأوربية فيها من الفوائد التشكيلية ما قد يهمُّ كاتب الهايكو ، وسنحاول اختصارها كما يأتي:

-تقنية :( ماذا، متى، أين): وهي تقنية شائعة ، ونجاحها يتوقف على كيفية تأثيث شاعر الهايكو لقصيدته معتمدا على: (ماذا، متى أين) التي تضمر في دلالتها نوعا من السببية مثال:

غصن أجرد (أين)
غراب (ماذا)
عتمة الخريف (متى)

-تقنية المجاورة والمقاربة: وهذه تقنية معروفة وشائعة يلجأ فيها الشاعر الى اختيار فلقتي الهايكو المختلفتين ظاهرا ، المتناغمتين باطنا ، ولابد هنا من رابط دلالي يجمع الطرفين بخفاء مثال:

ضباب تشرين
عمتي العجوز
تسأل من أنا

إذ تجمع ضبابية الرؤيا بين سطري الهايكو: ضباب تشرين والعمة العجوز.
-تقنية التفتح التدريجي: وهي تقنية شائعة حيث تكون الضربة الأخيرة هي تمام الفكرة وذروتها ، لأنها تعطي لما قبلها قيمة في بنية الهايكو ، وهذه القصيدة لباشو مثال يمهد فيه كل سطر لما بعده :
على جرس المعبد
تنام
فراشة

-تقنية الأنتقال من العام الى الخاص ، أو العكس أو من الكلي الى الجزئي أو العكس مثال:

السماءُ كلُّها
في حقل الزهور الفسيح
زهرة خزامى

فزهرة الخزامى زرقاء في العادة تميل الى البنفسجي قليلا ومن ينظر لهذه الحقول يظنها لزرقتها قطعة من السماء.
-تقنية التلغيز: وهي من التقنيات التي يتم حل لغزها في السطر الثالث ، والأفضل ان تكون الكلمة الأخيرة في الهايكو هي الجواب أو حل اللغز مثال:
الزبون يشتري لغيره
البائع يطرد فكرة الأحتفاظ بواحدة
محل بيع الشواهد

-تقنية اللعب على الكلمات: وهذه التقنية يعرفها الشعراء جميعا بحكم التصاقها باللغة التي يكتبون بها واللعب هنا يتخذ أحيانا شكل التورية أو الأستفادة من الجناس أو ما يفهم منه أصحاب تلك اللغة شيئا خاصا غير مصرّح به ، أعني ان الفاظ الهايكو الخارجية تقول شيئا والمتلقي يفهم شيئا آخر ، ويمكن تقريب الصورة بما يقصده العراقيون حين يُسألون عن سعر مادة ما فيجيبون: (دفتر) ويقصدون مئة ورقة ، فئة الورقة مئة دولار .
وهنالك الكثير من التقنيات الفرعية والصغيرة وما بين بين ،او التي تجمع تقنيتين في هايكو واحد، وهناك تقنية التضاد وتقنية التناقض وتقنية المشهد وتقنية التعليق على شيء يعرفه القارىء كأنْ يكون الهايكو تعليقا على لوحة أو أغنية ، ويؤكد الشاعر جمال مصطفى أن الهايكو قصيدة من جزئين وأحيانا ثلاثة ، ومابينهما الشاعر المتخفي في الظل ، ولكنه هو الذي يحرك المشهد بحيادية ظاهرية وانغماس كلي في ما هو خلف هذا الظاهر ، يقول سالم الياس:

شجرة نبق الطفولة
عصافيرها
تحتمي في شغاف قلبي
**
لا احد لااحد يحدق مليا
في مياه هذه البحيرة
الا روحي

**
وفي الختام لا بد من الاشارة الى بعض الأسئلة التي تدور بين المهتمين بالهايكو في مقدمتها:

- ما الفرق بين قصيدة الومضة المكثفة والهايكو ، والجواب أن قصيدة الومضة تحمل تسميتها بدقة ، فهي قصيدة ومضة مكثفة اللغة تتسم بالتركيز الشديد واعتماد الفنون الاستعارية والبلاغية ، دون أن يُحدد لها عدد أسطر ولا دائرة موضوعات ، وحتى لو كانت أسطرها ثلاثة ، أما الهايكو فهو مشهد مكثف وله اشتراطات في عدد الاسطر وفي الموضوع والعمل على تجنب الظواهر البلاغية ، والفرق واضح بين الومضة والمشهد . ومع ذلك فإذا كانت جين ريتشهولد أشهر كاتبات الهايكو في الانكليزية تؤشر أحد سلبيات التانكا في كونها تميّع الحدود الفاصلة بينها وبين الهايكو بإيجازها المفرط ، فإن ما يؤخذ على الهايكو أن الحدود الفاصلة بينه وبين القصيدة المركزة أو قصيدة الومضة من ثلاثة أسطر قد تبدو غائمة ..

- وهل يشترط بكاتب الهايكو أن يكون شاعرا ،والجواب يكمن في الرؤية الى هذا الفن ، فإذا صنفناه ضمن الفنون الشعرية وهو كذلك ، فلا بد أن يكون كاتبه شاعرا ، أما من ينظرون إليه بوصفه فنا لغويا يشتغل داخل دائرة الشعرية ، فإن كاتبه يجب أن يمتلك رؤية شعرية ومعرفة دقيقة باللغة العربية وقواعدها وأسرارها ، وقدرة على التأمل العميق ووعيا باشتراطات كتابة هذا الفن .

- ويتساءل بعضهم عن العلاقة بين الهايكو وقصيدة النثر ، والجواب يكمن في استرسال السرد في قصيدة النثر والإفادة من كل اشتراطات الشعرية الاستعارية والمجازية والبديعية ، وشمولية الموضوعات ، وتباين الرؤى ، بينما كل شيء محدد في الهايكو.
ويقسّم الشاعر جمال مصطفى (مسبحة الهايكو / موقع المثقف) شعراء الهايكو على ثلاثة أصناف ، الأول شاعر متخصص بكتابة الهايكو لا يكتب سواه من فنون الشعر ، والثاني شاعر محترف ينظر للهايكو بوصفه فضاء تعبيريا جديدا ، وقد يعمل على توظيفه لآفاق تجريدية أو فلسفية توسيعا لأفق اشتغاله ، والثالث شاعر فنان ويكون رساما على الأغلب ينطلق في كتابة الهايكو من مرجعياته الفنية ، ويتوقف نجاحه على موهبته ومقدرته اللغوية.

**
إن الأوطان حالما تتعرض للمخاطر ، فإن مؤسساتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية تسارع لتقديم حلول ورؤى للإسهام في معالجة الأزمة ، والعمل بكل جهدها على درء تلك المخاطر ، فماذا قدمت المؤسسة الثقافية في العراق وأقطار الوطن العربي من أجل مقاومة ثقافة الاقتتال والحرب والحقد وسفك الدم وتسلط دكتاتورية المؤسسة السياسية وجشعها في نهب شعوبها ، وكل ذلك ناتج عن ضيق الأفق ومحدودية الرؤيا التي تحجب القدرة على إحلال الإبداع وثقافة الحوار الحقيقي وحب السلام والتسامح والمحبة وتقبل الرأي الآخر ، ثقافة تعمل على بناء مجتمع متحضر يغادر الضوضاء والفوضى إلى صمت الوعي والـتأمل والحرص على البناء والتفكير بغد أفضل. إن الشلل الذي منيت به المؤسسة الثقافية في العراق والاقطار العربية الاخرى وانصياعها كليا للمؤسسة السياسية المستبدة والمتخلفة ، له الأثر الكبير في إشاعة الفوضى المدمرة واستشراء عوامل الصراع والقتل والنهب والانتهاكات ، وانهيار إرادة الإنسان وهشاشته . ولأهمية الإبداع وحركية الثقافة في المجتمع يؤكد الفيلسوف الامريكي ريتشارد رورتي انتقاده للنظريات التي أقصت باستبداديتها القول الشعري بما يتمتع به من طاقة فنية وجمالية ، مؤكدا أن افتقاد الإنسان للإرادة والقدرة على الاختيار ، هو ما يجعل منه كائنا هشا يسلك طرقا معدة سلفا من قبل الآخرين ، وهذه الطرق المعدة سلفاً هي التي تؤدي إلى الخمول فالجمود . ومن المفيد هنا أن نستذكر تأكيد جان جاك روسو على أن للآداب والفنون والثقافة عموما دورا مهما في تأسيس أخلاق المجتمعات وتغييرها ، ولا ننسى رواية شتاينبك التي تمكنت من إسقاط مؤسسات سياسية في امريكا ، لسبب بسيط وصعب معا ، هو أن تلك الشعوب تقرأ وتعي وأن شعبنا يرزح تحت نير الأميتين الأبجدية والحضارية ، وأن مؤسساتهم العلمية تخرِّج مثقفين متحضرين ، بينما تخرج مؤسساتنا متعلمين محايدين لا علاقة لهم بما يجري في أوطانهم من إذلال للإنسان وبيع لكرامة روحه ، ولا تعنيه السلبيات التي تكتنف حياته وحياة شعبه وأمته.

مدونة واحة هايكو

About مدونة واحة هايكو -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :